المؤامرات الدولية بحق الأمة الكوردية
مسعود عكو
messudakko@hotmail.com
الحوار المتمدن - العدد: 681 - 2003 / 12 / 13
<!–Rating: 4.8 / 5 | Rate this article | More from same author |–>
مقدمة لا بد منها:
بعد انهيار الملكية في الإمبراطورية الفرنسية وتسلم الثوار الحكم في البلاد تلك اللحظة غيرت الكثير من مجرى التاريخ وبدلت الكثير من المقاييس التي كانت سائدة في القرن الثامن عشر وأدت هذه الثورة البشرية إلى تغيير محور الأحداث بل أدت إلى خلق نموذج جديد للوجود البشري الذي سمي بعد ذلك بعصر القوميات.
إن تعاقب الأحداث التاريخية على شعوب الخليقة ابتداءاً من كوارث بيئية طبيعية فرضتها الطبيعة بقسوة على سكان الأرض وانتهاء بالأحداث البشرية المفتعلة من حروب ومعارك وواحتلالات للأرض واضطهاد للإنسان كل تل العوامل خلقت من البشر قوميات وفرقتهم على شكل شعوب وأمم تعيش بجوار بعضها البعض حيث صار لكل أمة من الأمم تاريخ وثقافة وحضارة مستقلة قائمة بذاتها عمل الأوائل للحفاظ عليها من الضياع واستمر الحاضرون في البقاء عليها بل التفاخر بها أمام الشعوب والأمم الأخرى.
إلا أن وكما بدأنا الحديث لم يعجب هذا التاريخ والإرث الحضاري لأمم فقيرة مصالح الأمم الأكثر قوة وغنى وجبروت منها حيث قامت الأخيرة باضطهاد الأولى ولعنت سافلها واقتلعت جذورها من أعماقها التاريخية وحولتها من حضارات وإرث تاريخي إلى أوابد تتذكرها شعوبها بخوف ووجل من جراء ظلمها ولا يمكن الجهر بها لكي لا ينصب جام غضب القوي عليها.
تلك هي حال كل القوميات والأقليات الضائعة بين شعوب وأمم الأرض وحال الأكراد كحال إخوانهم من القوميات الأخرى تفرقوا وتشردوا واضطهدوا على يد جلاوذة الأرض وجلاديها ابتداءً من الفاشية الكمالية التركية ومروراً بالشاه والخميني في إيران وانتهاءاً بهولاكو العرب الطاغية المهزوم صدام حسين.
لن أدخل في الحديث المعهود من قبل الكثير من الكتاب الكورد والذين لا هم لهم سوى أن يبرهنوا على الوجود التاريخي للكورد في كوردستان ويبحروا في المطالعات التاريخية ويحضروا الأدلة القاطعة للوجود الكوردي في خمسة دول كل ذلك ما عاد يهمنا كأكراد مقسمين بين حدود تلك البلاد ولن نعود للعمل فقط من أجل البرهان على وجونا كقومية ثانية في البلاد رغم تعند كل الحكومات التي مرت على السلطة في تركية وإيران والعراق وسورية وحتى في أرمينيا كلها لها نفس الرؤية ووجهة النظر ذاتها من ناحية القضية الكوردية ووجود الشعب الكوردي وتصنيفه كقومية ضمن الفسيفساء الاجتماعي المزركش لتلك الدول
الوجود الكوردي في كوردستان المقسمة بات موضوعة لا تقبل النقاش ولا الشك في صحتها أو خطأها الكورد شعب وجد نفسه في كوردستان كغيره من الشعوب كما وجد العرب أنفسهم في الوطن العربي والفرس في بلاد فارس و الفرنسيين في فرنسا وكافة الشعوب التي وجدت نفسها على أرضها التي ورثتها من آبائها و من أجدادها حيث كمتوالية تبعية الأرض للذي يعيش عليها حتى ولو كانت تلك الأرض وجد عليها قوميات وشعوب أخرى.
إلا أن كوردستان كغيرها من البلدان والدول التي مزقتها همجية الاستعمار وجزأتها مصالح الدول الكبرى في أعماق القرون المنصرمة ولم تدفع ضريبة تلك الدول إلا الشعوب البريئة والتي دائماً هي البنك الوحيد الممول لتلك الحروب وشيكاتها المفتوحة من دماء شهدائها و جثث أبنائها وقبورهم التي أصبحت شاهد عيان على حقبة تاريخية مظلمة ومتفرجين في تراجيديا مأساوية.
تقسيم كوردستان تاريخياً:
قسمت كوردستان على يد الاستعمار وبالاتفاق مع حكومات عميلة لها بغية مصالح خاصة لكلا الطرفين على حساب تلك الأمة المسكينة والتي لم تذق في حياتها طعم حلاوة الوجود سوى تجرع السموم والنحيب على الموتى والقتلى حيث حكمت الدولتان العثمانية والصفوية (القاجارية لاحقا), واللتان كانتا حتى انتهاء الحرب العالمية الأولى أعظم قوتين في الشرق لمدة خمسة قرون, عددا كبيرا من الشعوب المختلفة من حيث العرق والدين والمذهب, ولكن بانتهاء الحرب على أعقاب اتفاقية مودورس في (31/10/1918) ضعفت الدولتان العثمانية والقاجارية وشلت قدراتهما, فحددت دول أوربا التي عرفت بدول التحالف مصير الامم التي كانت ترزح تحت حكم تينك الدولتين.
من المعلوم ان دولا كبيرة كـ(بريطانيا, روسيا, فرنسا) والتي كانت تملك امكانات هائلة عسكريا, سياسيا واقتصاديا, تتفوق بها على الدولتين المذكورتين, قامت في غمرة الحرب العالمية في عام (1916) بعقد اتفاقية فيما بينها اشتهرت باسم معاهدة (سايكس-بيكو), قسمت بموجبها الدولة العثمانية وتوزعت كوردستان التي كانت تحت نير العثمانيين بين الدول القوية تلك.
بموجب المعاهدة الروسية-الفرنسية في (13/4/1916) والتي كانت تشكل الجزء الأول من معاهدة سايكس بيكو, كان يتوجب ان تسيطر روسيا القيصرية على جزء كبير من كوردستان الشمالية عدا كوردستان الشرقية التي كانت تهيمن عليها أساسا, وبموجب الجزء الثاني من المعاهدة والذي كان اتفاقا بين بريطانيا وفرنسا عقد في (16/5/1916), كان يفترض ان تنال فرنسا قسما كبيرا من سوريا والقسم الأكبر من مناطق الأناضول وولاية الموصل, فيما تنال بريطانيا بعض المناطق الأخرى من سوريا.
ومع ان ثورات جماهيرية كوردية قد اندلعت قبل ذلك التاريخ ضد الدولتين العثمانية والقاجارية في سبيل استقلال كوردستان وتحت قيادة القيادات الكلاسيكية, ولم تثمر أيا منها, ولكن تأثير الحرب العالمية الأولى في مستقبل الأمة الكوردية بدأ من التقسيم الذي كان يضع كوردستان تحت هيمنة ثلاث دول أوربية قوية هي (روسيا, بريطانيا وفرنسا) لتتخلص نهائيا من قبضة الأتراك العثمانيين, إنما مع الأسف كانت أحداث المنطقة واندلاع ثورة أكتوبر البلشفية بقيادة لينين وتأسيس دولة شيوعية مآسي اعترضت طريق تقدم الحل الحقيقي لمستقبل المسألة الكوردية, مآسي تعاني منها هذه المسألة إلى يومنا هذا, إذ ان روسيا التي كانت تنال الجزء الأكبر من كوردستان بموجب معاهدة( سايكس-بيكو), لم تتراجع عن المعاهدة وحسب, بل أصبحت تعادي حليفتيها السابقتين (فرنسا وبريطانيا) وتحولت سياسة الروس من محاولة تقسيم الإمبراطورية العثمانية إلى الدفاع عن وحدة الأراضي التركية إلى درجة ان الدولة البلشفية بقيادة لينين كانت الدولة الأولى التي اعترفت بحركة (مصطفى كمال أتاتورك) وحكومته في أنقرة وقدمت لها المعونات المادية والمعنوية.
بعد هذه التحولات أجرت الدولتان الحليفتان الكبريان (فرنسا وبريطانيا) عدة تغييرات على معاهدة عام 1916 واتفقتا على ان تنال بريطانيا ولاية الموصل, وفي عام (1918) سيطرت بريطانيا بشكل نهائي على ولايات العراق (البصرة وبغداد) وهذه الولاية وأخرجت الجيش التركي منها.
من الواضح ان آبار نفط كركوك كانت الحافز الأقوى لبريطانيا لتحكم سيطرتها على هذه الولايات وتربطها ببعضها في إطار دولة قومية تخضع لإشرافها ونفوذها المباشرين.
جدير ذكره ان الحركة التحررية الكوردية قد ازدهرت تماما ما بين عامي (1918-1919), ولاشك في ان إعلان الرئيس الاميركي في ذلك الوقت (ويلسون) الذي طالب بحرية واستقلال الشعوب الرازحة تحت نير العثمانيين, وكذلك نشر البيان المشترك لـ(فرنسا وبريطانيا) اللتين طرحتا نفس الموضوع, كان لهما انعكاس ايجابي على قضية الشعب الكوردي وحركته, لذا أرسل الحاكم البريطاني على العراق (جيم روئيل) كمستشار له إلى السليمانية في شهر نوفمبر من العام ذاته ليقوم الأخير بتعريف الشيخ محمود كحاكم على كوردستان, وبعد أسبوعين من ذلك أعلن الشيخ محمود في (17/11) من العام ذاته أول حكومة كوردستانية والتي دامت حتى (18/6/1919).
بعد تلك المعاهدة وتلك الإعلانات الدولية, اخذ موضوع استقلال الشعوب وحقها في تقرير المصير مفهوما جديدا في القانون الدولي, بريطانيا التي سيطرت حينها على أغنى جزء من كوردستان, لم يتفق ساستها تماما على حل المسألة الكوردية حلا جذريا, إنما كانوا على وفاق فيما يخص منح الكورد حقهم في الإدارة الذاتية.
من المعلوم ان الدول المنتصرة في الحرب الأولى وخصوصا بريطانيا فكرت في عقد مؤتمر عالمي للسلم, لغرض تنفيذ مراميها السياسية وكذلك إيجاد الحلول لمشاكل المنطقة, وكان موضوع ولاية الموصل يشكل أكثر النقاط أهمية بالنسبة لسياسة الدولة البريطانية.
في ذلك المؤتمر الذي عقد في باريس ما بين (18/11/1919-21/1/1920) كانت الآراء فيما يخص الملف الكوردي هي ان تلحق جنوب كوردستان بولايتي البصرة وبغداد, وينضوي غرب كوردستان تحت الهيمنة الفرنسية, فيما تبقى كوردستان الشرقية وكوردستان الشمالية كما هما في إطار الدولتين الإيرانية والتركية. بعد ذلك بمدة عُقد مؤتمر آخر في مدينة (سان ريمو) بايطاليا خلال أيام (19-26/4/1920) تقرر فيه ان تشرف بريطانيا وفرنسا على دول (العراق, سوريا, لبنان, فلسطين, الأردن والعربية السعودية), وبحث هناك في المسألة الكوردية أيضا على الشكل الآتي:
-اقتطاع كوردستان من تركيا ووضعها تحت سيطرة الكورد.
-تتخلى فرنسا عن ذلك الجزء من كوردستان الشمالية وتقر نظام (الانتداب) لجنوب كوردستان, على ان تشرف بريطانيا عليه وتثبت سلطتها في العراق وبلاد فارس.
ورغم ان مصائر شعوب المنطقة في ذلك العصر كانت في طور التقرير من قبل الدول العظمى, إلا ان قادة وحكام الحركة التحررية الكوردية في جميع أرجاء كوردستان كانوا أيضا في طور لملمة القوى وبذل الجهود من اجل إيجاد حلول نهائية لقضيتهم, وقد لعب الجنرال (شريف باشا) كممثل عن معظم الأطراف الكوردية دورا ملحوظا أثمر عن نتائج ايجابية في مؤتمر (سيفر) في (10/8/1920), حيث تتحدث البنود (62, 63, 64) عن مستقبل الكورد, بحيث تحصل كوردستان الشمالية على حق الإدارة الذاتية ويكون للكورد حق اتخاذ القرار بشأن استقلالهم التام عن طريق استفتاء عام وتلحق ولاية الموصل بهذا الجزء.
ومع ان معاهدة سيفر لم تطرح حلا نهائيا لحسم القضية الكوردية, ولكن لأول مرة تم فيها الاعتراف بحق الشعب الكوردي وعرضت قضيته كمسألة دولية من الناحية القانونية, وفيما لو كتب النجاح لتلك البنود, كانت القضية الكوردية ستحصد الايجابيات من جهتين:
أولا: كانت (الاتفاقية) ستؤثر بشكل ملحوظ في الحدود السياسية للدول التي كان الكورد يعيشون في كنفها.
ثانيا: كان ذلك المكسب يشكل حجر الأساس لتشكيل دولة كوردية موحدة في المستقبل, ولكن للأسف لم تنتهِ أوضاع تلك الحقبة والتحولات التي حدثت بما يخدم الكورد, حيث ان ازدهار حركة مصطفى كمال أتاتورك القومية ودعم ومساندة الدولة البلشفية بقيادة لينين لتلك الحركة والموقف والرؤيا المشتركين لكلا الطرفين إزاء معاهدة سيفر من جهة وخلافات وصراعات القوى المتحالفة فيما بينها من الجهة الأخرى وتغيّر ظروف اليونان وتوقف الحرب على تركيا وفي الوقت ذاته عدم اتفاق القوى والمنظمات الكوردستانية, بحيث وقفت بعضها إلى جانب مصطفى كمال, اضافة إلى تحول السياسة البريطانية إزاء حكومة مصطفى كمال في أنقرة وبدئها بمغازلتها بهدف حل موضوع ولاية الموصل